الشوكاني
72
فتح القدير
وروى أن السماء تتشقق عن سحاب رقيق أبيض ، وقيل إن السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين الناس . والمعنى : أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء ، وقيل إنها تشقق لنزول الملائكة كما قال سبحانه بعد هذا ( ونزل الملائكة تنزيلا ) وقيل إن الباء في بالغمام سببية : أي بسبب الغمام ، يعنى بسبب طلوعه منها كأنه الذي تتشقق به السماء ، وقيل إن الباء متعلقة بمحذوف : أي ملتبسة بالغمام ، قرأ ابن كثير " وننزل الملائكة " مخففا ، من الإنزال بنون بعدها نون ساكنة وزاي مخففة بكسرة مضارع أنزل ، والملائكة منصوبة على المفعولية . وقرأ الباقون من السبعة " ونزل " بضم النون وكسر الزاي المشددة ماضيا مبنيا للمفعول ، وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء " نزل " بالتشديد ماضيا مبنيا للفاعل وفاعله الله سبحانه ، وقرأ أبي بن كعب " أنزل الملائكة " وروى عنه أنه قرأ " تنزلت الملائكة " وقد قرئ في الشواذ بغير هذه ، وتأكيد هذا الفعل بقوله تنزيلا يدل على أن هذا التنزيل على نوع غريب ونمط عجيب ، قال أهل العلم إن هذا تنزيل رضا ورحمة لا تنزيل سخط وعذاب ( الملك يومئذ الحق للرحمن ) الملك مبتدأ ، والحق صفة له وللرحمن الخبر كذا قال الزجاج : أي الملك الثابت الذي لا يزول للرحمن يومئذ ، لأن الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك في الحقيقة ، وفائدة التقييد بالظرف أن ثبوت الملك المذكور له سبحانه خاصة في هذا اليوم ، وأما فيما عداه من أيام الدنيا فلغيره ملك في الصورة وإن لم يكن حقيقيا . وقيل إن خبر المبتدأ هو الظرف ، والحق نعت للملك . والمعنى : الملك الثابت للرحمن خاص في هذا اليوم ( وكان يوما على الكافرين عسيرا ) أي وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده شديدا على الكفار لما يصابون به فيه ، وينالهم من العقاب بعد تحقيق الحساب ، وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير ، لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة ( ويوم يعض الظالم على يديه ) الظرف منصوب بمحذوف : أي واذكر كما انتصب بهذا المحذوف الظرف الأول ، أعني يوم تشقق ، ويوم يعض الظالم على يديه الظاهر أن العض هنا حقيقة ، ولا مانع من ذلك ولا موجب لتأويله . وقيل هو كناية عن الغيظ والحسرة ، والمراد بالظالم كل ظالم يرد ذلك المكان وينزل ذلك المنزل ، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ( يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) يقول في محل نصب على الحال ومقول القول هو : يا ليتني الخ ، والمنادى محذوف : أي يا قوم ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا طريقا وهو طريق الحق ومشيت فيه حتى أخلص من هذه الأمور المضلة ، والمراد اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به ( يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) دعاء على نفسه بالويل والثبور على مخاللة الكافر الذي أضله في الدنيا ، وفلان كناية عن الأعلام . قال النيسابوري : زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية ، لا يقال جاءني فلان ، ولكن يقال : قال زيد جاءني فلان ، لأنه اسم اللفظ الذي هو علم الاسم ، وكذلك جاء في كلام الله . وقيل فلان كناية عن علم ذكور من يعقل ، وفلانة عن علم إناثهم . وقيل كناية عن نكرة من يعقل من الذكور ، وفلانة عمن يعقل من الإناث ، وأما الفلان والفلانة فكناية عن غير العقلاء ، وفل يختص بالنداء إلا في ضرورة كقول الشاعر : * في لجة أمسك فلانا عن فل * وقوله * حد ثاني عن فلان وفل * وليس فل مرخما من فلان خلافا للفراء . وزعم أبو حيان أن ابن عصفور وابن مالك وهما في جعل فلان كناية علم من يعقل . وقرأ الحسن " يا ويلتي " بالياء الصريحة ، وقرأ الدوري بالإمالة . قال أبو علي : وترك الإمالة أحسن ، لأن أصل هذه اللفظة الياء فأبدلت الكسرة فتحة ، والياء التاء فرارا من الياء ، فمن أمال رجع إلى الذي فر منه ( لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ) أي والله لقد أضلني هذا الذي اتخذته خليلا عن القرآن أو عن الموعظة أو كلمة الشهادة أو مجموع ذلك ، بعد إذ جاءني وتمكنت منه وقدرت عليه ( وكان الشيطان للإنسان خذولا ) الخذل ترك الإغاثة ،